يأتي الناس إلى الحياة وكل يعيش في ظروف وبيئة مختلفة..
فهذا وُلد في بيت غنى وثراء، وذلك ولد في بيئة فقيرة، وثالث نشأ في بلد مستقر، ورابع قضى معظم حياته في حروب وقلاقل، والقائمة تطول لو أردنا حصرها.
ولذلك تتيسر أمور للبعض، وتتعسر على غيرهم، وقد تصاب بأمراض ومشكلات نفسية بسبب الأمور التي مرت عليك ولم تكن تملك تغييرها في الصغر.
وما الفائدة إذًا من هذه المقدمة وذكر هذا الكلام؟
هل تريد تقليب المواجع وقتل الطموح لدى الناس بإمكانية تغيير الواقع؟
ولماذا أسعى في ذلك من الأساس!!
إنما الهدف مما سبق هو طمأنة النفس والتخفيف من حدة القلق والحسرة المستمرة والحسد بين الناس.
فالأرزاق قد قسمها الله بين الناس، وما عشته في الصغر من ظروف وأوضاع هي أمور لم يكن بيدك تغييرها، وأما ما أنت فيه الآن فواقع يمكن تغييره بإذن الله.
قد يتسنى لك تغييره بالكامل وتغيير وضعك المالي والصحة والبيئة التي أنت فيها، وقد يُتاح لك تغيير شيء منها، وقد لا يتيسر لك تغيير أي شيء بالرغم من بذل الجهد مع تكرار المحاولة والصبر.
فهنا أقول لك اطمئن، وهدأ من روعك فقد يكون الخير فيما أنت فيه من حال، ولعل الفرج والخير لم يأت بعد وسيأت بعد حين.
وهل كل من عاش في صحة وعافية بقيت لك إلى الأبد؟ وهل كل غني مات على الغنى وترك الميراث الضخم لأبناءه؟
كم من شاب صحيح مات من غير عِلة!!، وكم من غني مات على فقر وَوِرّث أبناءه الديون والهم!!
ليس الكلام عن ذم الغنى ولا مدح الفقر ولا الرضى بما أنت عليه، إنما الكلام لك أنك تحاول وتسعى وتبذل الوسع في تحسين وضعك، وترضى بما كتبه الله لك بعد ذلك.
فالنتيجة ليست بيد ولا بيدك إنما هي بيد الله، ونحن مُطالبون بالسعي وبذل كل سبب متاح واستفراغ الوسع في سبيل ذلك.
فإن حصل ما كنا نأمل فالحمد لله، وإن لم يتيسر ونصل لذلك فالحمدلله.
ولا يوجد أي داعي لتقتل نفسك بالهم والقلق وتتحسر على ما فاتك وتحسد الآخرين على ما آتاهم الله من فضله.
فالفضل والخير بيد الله وهو الذي يُقسم الأرزاق بين الناس فاطمئن، ولن تُغادر هذه الدنيا حتى تأخذ رزقك المقسوم لك.
وفي الآية ٣٢ من سورة الزخرف قوله تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا “.
أختم بكلام جميل ذكره الكاتب علي العبيدلي في كتاب – إكسير الطمأنينة- قال فيه: “ولا يعني الرضا الاستسلام أمام الشدائد، والانهزام النفسي في مواجهة مشكلات الحياة، بل يُراد به استفراغ الجهد في الأخذ بالأسباب، والتسليم بما اختاره الله – سبحانه وتعالى – للإنسان دون ضجر أو سخط أو جزع.”
