اتـرك أثـراً

كلنا سائرون في العمر وماضون في الحياة ولا يوجد منا من يمكنه التوقف والجمود في مكان واحد.

بالأمس القريب كنت بالمدرسة، والبعض منكم في الجامعة أو في سوق العمل وغداً تترك كل ذلك وتخرج للتقاعد وربما للقبر إن لم يُكتب لك البقاء حتى ترى ذلك فماذا تريد أن تحقق في حياتك من أهداف ومشاريع وماذا تريد أن تترك من أثر قبل مضيّ العمر وانقضاءه؟

ومن الغبن أن نمضي حياتنا في الأكل والشرب والذهاب لأعمالنا ودراستنا فقط دون أن يكون للواحد منا أي هدف أو تأثير فيمن حوله أو في مُجتمعه..

كم من الناس من سِرنا في جنائزهم وسمعنا خبر وفاتهم ولم يتناقل الناس من أخبارهم إلا النزر اليسير ثم صاروا في طيّ الناس إلا من قلة قليلة ممن كان حولهم، ومن الناس من إذا مات تبقى ذكراه وأثره لسنوات بعد موته ويتناقل الناس مواقفهم وقصصهم التي عايشوها معه خلال مدة حياته..

الكل فينا قادر على ترك الأثر والمساهمة فيمن حوله وفي المجتمع ولو بتربية أبناءه تربية صالحة وجعلهم قدوات صالحة بالمجتمع فهذا من الأثر الكبير الذي يبقى وربما يكون أحد هؤلاء الأبناء من القادة ومن المؤثرين بالمجتمع وأنت لا تدري..

فهذا الإمام أحمد ابن حنبل ولد يتيم الأبوين وربته أمه فأحسنت تربيته وغرس الإيمان والدين في قلبه، وعندما بلغ السادسة عسرة نصحته بتعلم الحديث والسفر في طريق طلب بالعلم، وقد قال عن والدته: “حفظتني أمي القرآن وأنا ابن عشر سنين وكانت توقظني قبل صلاة الفجر وتُحمي لي ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة، وتُلبسني ملابسي، ثم تتخمر وتتغطى بحجابها، وتذهب معي إلى المسجد؛ لبعد بيتنا عن المسجد  ولظلمة الطريق”.

لا يشترط أن تكون عالماً أو صاحب شهادات عُليا حتى تترك الأثر فهناك الكثير والكثير مما يمكنك عمله في الحياة وتحسين الواقع من حولك، فهذا رجل بسيط في إحدى قرى الهند كان يخرج من بيته كل صباح ليزرع في أرض فلاة كانت قريباً من قريته، وبعد سنوات قاربت العشرين عاماً تحولت هذه الأرض القاحلة إلى غابة خضراء تقصدها الحيوانات والطيور وأهل القرية، وانتشرت القصة حتى وصلت للآفاق!!

فكيف لو حمل كل واحد فكرة ومشروع أو مبادرة في الواقع وعكف عليها لإنجاحها ورعايتها وتجويدها فكيف سيكون شكل الواقع؟؟

والأمة تحتاج لمشاريع كثيرة فهناك مشاريع التحفيظـ وتعليم الصغار، وتعليم الكبار، وتعليم المهارات المختلفة، والإرشاد نحول التخصصات والجامعات المختلفة، ودعم قضايا المسلمين المختلفة كقضية فلسطين وكشمير والسودان وغيرها ومتابعة أخبارهم وتوثيق ما يجري عليهم وتقديم الدعم الممكن لهم، وهناك مشاريع تصحيح العقيدة ومحاربة الأفكار المضللة، ومشاريع زراعة المساحات المهملة والقاحلة، ومشاريع الاعتناء بالحيوانات الضالة والقيام عليها وغيرها كثير مما يسع كل واحد منّا أن يقوم على مشروع واحد منهم.

وأختم باقتباس مميز من كتاب أنصحكم به بشدة للدكتور مشعل بن عبدالعزيز الفلاحي بعنوان مشروع العمر قال فيه: يا صاحبي! ما دورك في أمتك؟ ماذا قدمت لمجتمعك، وأمتك، ودينك؟ قم يا صاحبي! فمن عاش لنفسه  عاش صغيراً ومات يوم يموت وهو صغير، ومن عاش لغيره عاش كبيراً ومات يوم يموت كبيراً.”