اعلم وفقك الله وجعلك من السائرين على الهدى ومن مُقتفي أثر الصحابة والسلف الصالح أن من المُعضلات التي تواجه الطلبة خريجي المسارات الشرعية هو إشاعة اليأس والتثبيط ممن لا يعي ولا يفقه الفرص المتاحة أمامكم، فليست كل الفرص المتميزة والتي يكسب أصحابها المداخيل العالية هي حكر على خريجي التخصصات العلمية أو الأدبية أو غيرها، وليس كل طالب تخرج من الطب أو الهندسة أو إدارة الأعمال قد حصل على الفرصة التي كان يطمح فيها. فكم من طالب أنهى دراسة الهندسة وهو عاطل عن العمل وكم من طبيب اشتغل وهو مغمور وقد عاش حياته فقيراً مُعدماً وكم من الطلبة ممن درس في تخصص مرموق ولم يعمل به واشتغل في غيره والقصص حول ذلك كثيرة.
والفُرص المتاحة كثيرة لمن أحسن اختيار التخصص واجتهد ليكون من المبُرزين فيه وأصحاب السبق فيه، وعلى سبيل المثال فالطالب المُجتهد خريج التخصصات الشرعية يمكنه بشهادة البكالوريوس العمل في سلك التدريس والترقي مع الوقت لشغل مناصب أعلى كوظيفة المُعلم الأول والمدير المساعد ومدير المدرسة وغيرها من الأعمال والفُرص المتاحة في سلك التعليم، ولو أكمل تعليمه الجامعي فيمكنه الانتقال لقسم المناهج والاشراف التربوي أو الانتقال لجهات أخرى كالأوقاف أو الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية والمؤسسات المالية أو التدريس في الجامعة أو الإمامة والخطابة وغيرها من الفُرص المُتاحة.
ويُمكن لخريج الشريعة على سبيل المثال الاشتغال بالتجارة والكسب منها والتفرغ لنفع الناس بما أوتي من العلم والفهم الصحيح وإقامة الدروس والدورات، ولنا في تاريخنا العديد من النماذج المُشرفة من العلماء المُجتهدين والمُشتغلين في التجارة منهم الإمام الفقيه الورع عبدالله ابن المبارك.
وقد طلب عبدالله بن المبارك العلم وهو ابن عشرين سنةً، فخرج إلى الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، والجزيرة، وخراسان؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 8 صـ 381)، وقال عبدالله بن المبارك: حملت العلم عن أربعة آلاف شيخ، فرويتُ عن ألف شيخ؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 8 صـ 397).
وقد قال الفُضيل بن عياض لابن المبارك لما رآه مُشتغلاً بالتجارة: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبُلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خُراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا؟ قال: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصونَ وجهي، وأُكرم عِرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًّا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 11 صـ 388 )
ولو اطلعتم على تراجم أولئك الأئمة فقد كان يُذكر صنعة أحدهم، أو عمله، فيُنسب لتلك المهنة، أو لذلك العمل، وقد جمع بعض الباحثين ذلك في كتاب مستقل أسماه ” الطرفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة “؛ وفي هذا الكتاب قرابة أربعمائة حرفة ومهنة، منسوبة إلى قرابة ألف وخمسمائة محدِّث، وفقيه، وأديب. (الإسلام سؤال وجواب islamqa.info/ar/143194 ).
فالحياة مليئة بالفرص، والمبدع والمتميز حتى لو لم يحصل على الفرصة التي كان يسعى لها في بلده فإنه يصنعها لنفسه ويسعى لذلك أو يسعى في غير بلده فلعل رزقك قد كتب في مكان آخر وقد كان هذا دأب أجدادنا ومن قبلنا حتى في الخمسين سنة التي مضت فقد تنقل الناس إلى دول أخرى ومناطق أخرى واستقروا فيها ولازالت ذريتهم شاهدة عليهم وباقية في محلهم.
وليست الفرص المتاحة مقرونة فقط بالشهادات، فكم من المُبرزين والمُميزين في عالمنا العربي والإسلامي لم يحصلوا على الشهادات العليا كرجل الاعمال وصاحب الأوقاف الكبيرة والمشاريع المتميزة الشيخ سليمان الراجحي بالسعودية، ولكم البحث عن سيرته ومطالعتها، وليس القصد اهمال الشهادة أو التنفير عنها بل القصد توسيع الفرص والخيارات المتاحة أمامكم.
أسأل الله تعلى أن يُلهمكم الصواب والسداد وأن يوفقكم لما فيه الخير والصلاح.
