البحث عن الأرزاق

الطيور تنام في أوقات محددة ولا تسهر إلى قبيل الفجر، وتستيقظ كل يوم في وقت ثابت بعد الفجر بقليل.

لم نر طائراً يسهر عدا طائر البوم الذي خلقه الله ليطير ويسترزق بالليل، ولم نر طائراً يقوم متأخراً وسط النهار وقد فاته الطيران بحثاً عن قوته ورزق يومه.

ولم نر قط طائراً يسهر طوال الليل بسبب القلق على رزقه بالصباح، أو يتثاقل عن القيام وهو يعتقد أنه لن يُرزق كفايته في هذا اليوم.

بل الكل يقوم وينام وهو مطمئن أن رزقه موجود وأن عليه الجد والسعي لتحصيله مهما كانت الظروف والأحداث.

فما بال كثير من الناس يصاب بالإحباط لأدنى خبر، وأقل كلمة، وأتفه إشاعة ويجلس بالبيت مكتئبًا ومتوهماً بأنه لن يحصل على شيء!!

وهل اطلع هؤلاء على الغيب وعرفوا أن الفقر والنحس وتعسر الحال هو المكتوب عليهم!!

إن الكثير من الفرص تضيع من حولنا يومياً ونحن لا نشعر، وحتى سعيك المستمر للعثور على وظيفة وتأخر ذلك، والمرارة التي تشعر بها حينها قد تحمل في طياتها الخير لو كنت تفقه.

فحينها تبحث عن مهارة لتحسينها وتطويرها، أو تعلمها واتقانها، أو عن شهادة ودورة ترفع من قيمتك.

وربما فكرت في بدء مشروع صغير وتعلم حرفة والتكسب منها.

فربما تسوقك هذه المصائب والشدائد لأوسع أبواب الرزق والخير لو مشيت فيها ولم تجلس مكانك مُصراً على أن الباب الذي تقف أمامه لابد وأن يفتح لك، وأنك لابد أن تجد أي وظيفة كانت ولو كانت في غير مجالك ومرهقة لك ومدخولها لا يكفيك حتى تشعر أنك ذا قيمة!!

ومن قال لك إن الرزق لابد وأن يكون وظيفة فقط؟؟

فالفكرة التي تراودك وأنت جالس بالبيت تبحث عن عمل لدخول مجال ما أو البدء في أي عمل يدر عليك المال قد يكون هذا هو باب الرزق الذي ساقه الله لك، ولا عليك إلا أن تدرس الموضوع وتسأل قليلاً وتستخير الله تعالى وتُقدم عليه.

وفي حديث عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

ومعنى الحديث كما ورد في الموسوعة الحديثية من موقع الدرر السَنية: حَثَّ الشَّرعُ على التوكُّلِ على اللهِ تعالى والأخْذِ بالأسبابِ، وأنْ يكونَ المسلِمُ مُستعينًا باللهِ تعالى معترِفًا بأنَّ الله بيدِه كلُّ شيءٍ، وأنَّه هو الَّذي يقدِّرُ الأشياءَ.

وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “لو أنَّكم كُنتم تَوَكَّلون على اللهِ حقَّ توكُّلِه”، أي: لو حقَّقتُم معنى التَّوكُّلِ على اللهِ، واعتمَدتُم عليه بصِدقٍ، وأخَذتُم بما تيَسَّر لكم مِن أسبابٍ، وعَلِمتم أنَّ اللهَ بيَدِه العطاءُ والمنعُ، وأنَّ تَكَسُّبَكم وسعيَكم مِن أسبابِ اللهِ، وليسَت قوَّتُكم هي الرَّازِقةَ لكم، “لَرُزِقتُم”، أي: لرزَقَكم اللهُ ويسَّر لكم الأسبابَ، “كما يرزُقُ الطَّيرَ”، أي: كما يَأتي بالرِّزقِ إلى الطَّيرِ عندما “تَغدو”، أي: تذهَبُ بُكرةً في أوَّلِ نَهارِها، “خِماصًا”، أي: جِياعًا وبطونُها فارِغةٌ، “وتروحُ”، أي: وتأتي في آخِرِ النَّهارِ إلى بَياتِها “بِطانًا”، أي: وقد مُلِئَتْ بُطونُها بالطَّعامِ.

هذا نوعٌ مِن أنواعِ الأسبابِ في السَّعيِ لطلَبِ الرِّزقِ دون التَّواكُلِ والتَّكاسُلِ، والجلوسِ والزُّهدِ الكاذِبِ في الدُّنيا، لكنْ يَنبَغي على العبدِ الأخذُ بأسبابِ الرِّزقِ مع اليَقينِ في اللهِ وعدَمِ الانشغالِ بالدُّنيا عن الآخرَةِ.