صارت الساعة الخامسة صباحاً، الوقت مناسب للقيام ببعض المهام والأعمال الخاصة قبل بدء الدوام، وفي الدوام عمل واجتماعات ومكالمات متعددة لإدارة أكثر من مشروع داخل وخارج بيئة العمل.
حان وقت الغداء وأكل شيء سريع والانطلاق في رحلة من بعد الظهيرة ولم تنتهِ إلا في وقت متأخر باليوم.
دخل البيت بعد يوم حافل، الأطفال نائمون والزوجة تتكلم بالهاتف مع صديقاتها، وهكذا مضت السنوات وهو يعتقد أنه يبني مستقبلهم ولم يستفق إلا بعد سنوات وقد كبر الأبناء ولم يعرفوه، وقد حصل بينه وبين زوجته جدار سميك من الوحشة والقطيعة.
أين تلك السنوات والتضحيات والسهر؟
أين تلك الأمور التي وفرها لهم من مقتنيات وملذات؟
قصة تتكرر كثيراً في واقعنا، والحقيقة أن المال والممتلكات كلها لا يعوض غياب الأب وانشغاله بمشاريعه وأعماله بدعوى الكسب وتحسين الوضع.
لا أقول إن المرء لا يسعى لتحسين واقعه، ولكن لكل شيء حد وقدر إذا تجاوزه المرء صار إلى الضرر والافساد منه أقرب من النفع ولكن لكل شيء حد.
فالأكل لذيذ ومغذٍ ومهم ولكن الاكثار منه يسبب التخمة والمغص والأمراض.
والنوم مهم ومفيد لشحذ النشاط ولكن الاكثار منه يفسد الصحة ويصيبه بالترهل.
وهكذا في جميع مناحي الحياة ومنه المال والعمل والمشاريع، والذي ينبغي لكل شخص أن يحدد المقدار الذي يكفيه ويغطي نفقاته، وعدد المشاريع التي يمكنه العمل فيها دون أن تتلف صحته وتضيع حياته ويهمل التزاماته الأسرية والاجتماعية.
ومهما عملت فلا يوجد حد للتوقف عن العمل، فدائماً هنالك مجال للتحسين والتوسع والازدياد والحصول على المزيد والمزيد من المال.
ولكن تذكر أن طاقتك محدودة، وأن المال الذي تسعى له هو لتحسين وضع أسرتك ونفسك لا لتضييعهم واحراق نفسك وأعصابك بالعمل وكثرة المشاريع.
تذكر دائماً: مهما بلغت إنجازاتك وتعددت مشاريعك فالسوق لا يكتفي، والمال لا سقف له. لكن طاقتك محدودة، والحياة تمضي ولا يمكن استرجاعها. والمال وُجد لتحسين وضع أسرتك ونفسك وخدمة أسرتك، فلا تجعل السعي خلفه سبباً في ضياعهم.
وكما قيل في المثل: ما زاد عن حده انقلب ضده
