الابحار وسط العواصف والأعاصير

كيف يمكنك الإبحار وسط العواصف والأعاصير الهوجاء في البحر وأنت على متن سفينة شراعية لوحدك؟

في هذه الظروف، عليك أن تبذل قصارى جهدك لتنجو بنفسك وتحافظ على سفينتك من الغرق والتحطم.

الأمر يتطلب سرعة بديهة وقدرة على البحث عن أفضل الخيارات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تارة تحتاج إلى شد الشراع، وتارة أخرى تحتاج إلى إرخائه أو إغلاقه تمامًا حتى لا يتمزق.

إن الجمود ومحاولة الوقوف بثبات في وجه الإعصار دون انحناء قد يتسبب بهلاكك وتحطم سفينتك!

ليست كل أيام البحر عواصف وأعاصير؛ فكثيرًا ما يكون البحر جميلاً وهادئًا وممتعًا.

وهذه هي حال الحياة أيضًا، فلن تصفو لك على الدوام. وأنت تمضي في حياتك، ستواجه المنغصات، والمشكلات، ومختلف التحديات.

في بعض الأحيان، ستحتاج إلى الانحناء والبحث عن طريق آخر، وربما ستحتاج إلى التنازل أو التغاضي عن بعض الأمور لكي تستمر حياتك.

لكن هذا الانحناء لا يعني أن تكون تابعًا للغير، ولا أن تتنازل عن مبادئك وقيمك. القصد هو أن تكون مرنًا في بعض الأحيان، وألا تتعامل مع الحياة دائمًا بصلابة وشدة.

فقد يُساء فهمك في بيئة العمل، فتكتشف أن التبرير والشرح لا يجدي، فتتركه وتمضي. وقد يسيء إليك أحدهم وأنت تعلم أن ذلك ليس من طبعه، وقد يكون في حالة سيئة، فتتركه حتى يهدأ ويعود إلى صوابه.

وقد تدخل في مشكلة عائلية على أمر لا يستحق، فتتنازل للحفاظ على صلة رحمك وتحتسب الأجر على الله.

وعلى الصعيد المالي، قد تتعرض لحادث أو عطل في سيارتك يكلفك الكثير. وربما تضطر لبيعها أو تغييرها، فتجد نفسك أمام خيارات كثيرة تتطلب منك المرونة في التعامل معها والبحث عن أقل الطرق ضررًا وأكثرها نفعًا لك.

أتذكر شخصًا أصيب بعطل في محرك سيارته، وبدلًا من البحث عن سبيل لإصلاحها، قام ببيعها بسعر بخس واشترى سيارة جديدة بالأقساط وهو غير قادر على تحمل ذلك!

لقد جمع بين العجلة وسوء التدبير، وضيّق على نفسه واضطر لطلب العون من الآخرين. لو أنه جلس مع نفسه وتأمل في قراراته، وبحث عن أفضل الحلول المتاحة لما وقع في هذه المحنة والضرر.

ولو خلت هذه الحياة من المنغصات والمكدرات، لكانت جنة. ولكن الله جعل فيها ما ينغص عيش المرء حتى يتذكر الآخرة ويعلم أن هذه الحياة فانية.

والمطلوب منا هو أن نصبر ونسعى ونحتسب الأجر والثواب، وأن نجعل هذه الحياة طريقًا للوصول إلى الجنة.