كيف تكتشـف شغفـك؟

قابلت الطالب أحمد في إحدى المدارس الثانوية التي استغلت فيها، وطالب متفوق وانطوائي، لديه عدد محدود من الأصدقاء وقد وصل إلى سنته الدراسية الأخيرة قبل التخرج.

لاحظت أن نطقه للحروف وأسلوب حديثه مميز، وبعد مدة اقترحت عليه التحدث في الإذاعة الصباحية أمام 750 طالب ومعلم، فرفض بشدة أصررت على مشاركته بالإذاعة وأعديت له الكلمة حتى وافق على مضض بعد مجادلة وتعنت.

تدرب على الكلمة، وحفظها قبل الموعد، وألقاها عدة مرات قبل صعوده على المنصة، وفي اليوم الموعود خرج وتكلم وأشاد عليه الكثيرين وأحس بنشوة وفرحة لم يشعر بها من قبل فقد انكسر الجليد وزال الخوف واكتشف مجال ومهارة جديدة والأهم أنه استمتع بهذه التجربة وقرر مواصلتها بدخوله لكلية الإعلام فرع إذاعة وتلفزيون.

وقد شاهدت له مقابلة بعد 4 سنوات من لقاءي به في المدرسة عبر التلفاز ولمست التغيير الكبير على شخصيته وعلى عقله.

كم طالب وطالبة بيننا لم يكتشف شغفه وماذا يستمتع به من أعمال ومهارات؟ وكم دار بيننا هذا السؤال وتكرر ولم يجد الكثيرين بيننا الجواب الشافي على هذا السؤال؟

ومع كثرة الحديث عن هذا الأمر فلعلي أشير لبعض الأمور التي تساهم في اكتشاف شغف الإنسان وتعرفه على ذاته بصورة أكبر وعلى رأسها التجربة العملية.

وقد تأخذ التجربة العملية عدة صور منها المواد الإثرائية والفنية التي يدرسها الطالب بالمدرسة وتساعده على تجربة العديد من المهارات وحينها فقط سيكتشف ما الأمور الممتعة فيها وما الأمور التي لم يجد أي استمتاع وسهولة في ممارستها.

ومن ذلك الأندية المختلفة التي تتشكل في بعض المدارس كنادي الإعلام والإذاعة وجماعة الصحافة والمجلس الطلابي والأندية الرياضية كلها تساعد الطالب في اكتشاف نفسه وتجربة العديد من المهارات بالمدرسة.

ومن ذلك أيضاً التطوع في الجمعيات الخيرية وتجربة مختلف المهام وتحمل المسؤوليات المختلفة، ويجد الإنسان نفسه في أكثر من عمل وفي نهاية المطاف يستقر في المجال الذي وجد نفسه فيه وشعر أنه الأنسب له وهنا قد يكون اكتشف الطريق لشغفه.

ومن الأمور المساعدة في اكتشاف الشغف المطالعة والقراءة ومتابعة البرامج المختلفة، والإنسان مع الوقت يجد نفسه تميل لمواد معينة يحب القراءة فيها، وسماع الحوارات فيها، ومشاهدة البرامج حولها وقد تكون كلها في مجال واحد لكل لا ينتبه لهذا الكل، وهنا تبرز أهمية التوجيه ومساعدة الطلاب على فهم هذه العناصر المختلفة والربط بينها وبالتالي يصل الطالب للمجال أو المجالات التي تشكل شغفه وربما هي التي سترسم له طريقه المستقبلي ومساره الجامعي أيضاً.

وأختم باقتباس مميز من كتاب – الخلطة الجامعية – للكاتب عبداللطيف خالد القرين متحدثاً عن الشغف: ” إن أهمية المطالعة تزداد في المجتمعات التي تشبه مجتمعنا حيث لا يوجد إلا دائرة ضيقة من المواهب التي يمكنك اكتشافها في المدرسة، ومحظوظ ذلك الإنسان الذي يمتلك شغفا يوافق نشاطًا مدرسيًا كحالتي. أذكر أنني استشعرت حبي للكتابة خلال حصص التعبير في الصف الخامس الابتدائي وما زلت أذكر شغفي بها حيث كنت أبتعد عن أصحابي حين يطلب منا المعلم الكتابة عن موضوع ما، فحينها أشعر بنشوة لا توصف، ولا أشعر بالوقت وهو يمر، هذا هو الشغف بلا شروح، الشغف هو الشيء الذي تنغمس فيه ويغيب عقلك تماما عن الوعي ولا تشعر بما يحدث حولك. كانت الكلمات تتدفق من قلمي بلا جهد في الوقت الذي كان فيه أصدقائي عاجزين عن كتابة سطر واحد، في الحقيقة أصدقائي لم يكونوا فاشلين عندما لم يكتبوا مقدار ما أكتب! كل ما في الأمر أن الكتابة ليست شغفهم، وللأسف لم يكونوا محظوظين فيكون الرسم شغفهم ليكتشفوه في ساعة الفنية أو كرة القدم ليشعروا بالنشوة في ساعة الرياضة أو في ملعب الحي. كثيرون هم في مجتمعنا الذين تختبئ فيهم هوايات كالسباحة والتنس الأرضي وتصميم الأزياء والطبخ لكن لم تسنح لهم الفرصة لتجربتها؛ كذلك الرجل الذي خُلق ماهرا بالسباحة لكنه لم يعرف عن قدراته لأنه لا يعرف ما هي السباحة من الأساس!”