لا تُقـارن نفسك مع الآخرين

أحمد وسلمان زملاء في نفس السن، دخلا نفس المدرسة واستمرت صداقتهما حتى الكبر. تربى أحمد في بيت داعم ومتفاهم، فالأم متعلمة وواعية لأبنائها، والأب رجل صاحب علم وحريص على تربية أبناءه علمياً ونفسياً والحفاظ عليهما من أي أمر قد يعكر صفو ذلك.

دخل أحمد الجامعة وتخرج بلا مشكلات وفي بيئة داعمة، وساعده أبيه في إيجاد عمل ملائم وسارعت الأم بمساعدته على الزواج من امرأة صالحة وعاش في شقة مجهزة في نفس المبنى الذي يعيش فيه والديه.

أما سلمان فقد عاش في بيت مفكك ومليء بالمشكلات، فقد كان أبيه مدمناً على المخدرات وعنيفاً شديداً وكثير الغياب عن البيت مشغولاً بنفسه، وأما الأم فقد كانت ضعيفة ولا تملك القرار ولا حسن الاختيار، وهكذا عاش في بيت مع 7 من إخوانه كل واحد منهم يعيش لذاته ويبحث عن مصلحته ولو على حساب إتلاف حياة إخوانه وظلمهم.

أنهى الدراسة الثانوية على مضض، وتعثر في الجامعة لبعض الوقت حتى استطاع أن ينتهي منها متأخراً عن بقية زملاءه ولا يزال يبحث عن عمل مناسب بعد التخرج.

الآن، وبالنظر للبيئة التي عاش بهما الاثنان، وبعد 10 سنوات من هذه القصة فكيف سيكون واقع كل منهما؟

الغالب أن أحمد سيعيش حياة مستقرة وهادئة وستكون المشكلات التي مرت به وأثرت فيه سلباً حال الصغر قليلة جداً، أما سلمان فالغالب أنه سيكبر وستكبر معه عقد ومشكلات حملها منذ الصغر كالخوف والتردد والعزلة وعدم الثقة بالآخرين وربما التبعات السيئة للبيئة التي عاش فيها ولا يزال يراها ويختلط بها.

لا ننكر أن هناك من استطاع أن يحفر في الصخر وأن يخرج من أثر البيئة المحطمة ويبني مجداً ونجاحاً باهراً، وأن هناك من لم ينتفع من البيئة الصالحة التي عاش بها ولكن هذا أمر يصعب القطع بنسبة محددة، فلا يمكن أن نقول اغلب من عاش هكذا سيصبح كذا لأن كل حالة تختلف عن الأخرى.

المؤكد أن ما يعيشه المرء في طفولته وصغره سيبقى أثره حيناً من الدهر، ولا شك أن كثير من العقد والمشاكل النفسية والاضطرابات كان بالإمكان تلافيها لو عاش هؤلاء حياة مطمئنة وسليمة منذ الصغر.

وعندما يأتي سلمان ويقارن ما وصل إليه في الحياة وهو ابن ثلاثين وما وصل إليه صديقه أحمد فسيشعر بالغبن والخسارة وأن الكثير قد فاته وهذا باب قد يفتح الحسد ويوقع النفرة بينهما إذا لم ينتبها إليه، فلا أحمد له الحق بالافتخار والتباهي على صاحبه، ولا سلمان له الحق بحسد صاحبه والتحسر على ما فاته.

والحق أن لكل منّا رحلته الخاصة في الحياة ومشكلاته وتحدياته التي لن يشاركه فيها أحد، كل واحد يمتلك شخصية متفردة وإمكانيات مختلفة إذا أحسن استغلالها واكتشافها فستكون سبباً لتغيير واقعه للأفضل.

ونحن لا نملك التأثير على الأحداث التي مرت بنا في الصغر، ولكننا نمتلك الآن القدرة على التعلم والتدرب والسعي لتغيير واقعنا، وتغيير نظرتنا للأحداث السلبية التي مرت بنا.

وحتى الصدمات التي حصلت يمكن للمرء أن يتجه للمتخصصين في الجانب النفسي طلباً للعلاج والمشورة للخروج من هذا الحال والواقع.

فلا تقارن نفسك بالآخرين فلكل منا رحلته الخاصة في الحياة، ولكل منا أجل محدد سيعيشه على هذه الأرض ومقدار من الرزق سيحصل عليه سواء الآن أو في الكبر والعلم عند الله تعالى.

وهذه الدنيا دار ابتلاء وليست دار تنعم واستمتاع بالملذات، والنعم مقسومة بين الناس، فهذا رجل غني ومصاب بالعقم وليس له ذرية، وهذا رجل فقير لديه من الأبناء والبنات الكثير وهو يتلذذ برؤتهم واللعب معهم ويستمتع بصحبتهم في الكبر فهل سبق الغني الفقير بالمال والأملاك والسيارات أم هل سبق الفقير الغني بالأولاد والبنات وصحبتهم حال الصغر والكبر؟؟

ليست هناك حالة يتخلف فيه المرء عن كل من حوله في كل شيء إذا نظرنا لموضوع النعم بالشكل الصحيح، فالمال والصحة والعافية والاستقامة ووجود الوالدين والأسرة الداعمة والأمن والطمأنينة والصحبة وامتلاك المرء لوظيفة أو مهنة مهما كان دخلها وتوافر الماء والغذاء والمكان الملائم للنوم والاستراحة فيه كل ذلك من النعم التي أنعم الله بها علينا ولكل واحد من ذلك نصيب قل منه أو كثر.

والله هو الذي قسم الأرزاق بين الناس فلم الحسد والحزن، قال تعالى ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ))

ولو رأيت غيرك قد سبقك بامتلاك منزل أو سيارة أو جاه فادع له بالخير وإياك أن يوقعك الشيطان في الحسد أو السخط أو ازدراء ما أنعم الله عليك من النعم، واسأل الله من فضله ولا تنس النظر إلى من هم دونك وأقل منك وفي حال يتمنى الواحد منهم أن يعيش مثل حياتك!!

وعليك بالبذل والسعي والاجتهاد حتى يتغير حالك، وأن ترضى بما حصلت عليه عندما تستنفذ طاقتك ووسعك في سبيل ذلك لا أن تتمنى ما عند الغير وتنظر إليهم بعين السخط والحسد.

ولو سلبك الله ما عندك الآن من النعم لتمنيت وبكيت أن يردها الله عليك لأنك حينها ستعرف قدر تلكم النعم التي عندك ولم تقم بشكرها كما ينبغي.

أختم بعبارة من كتاب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله من كتابه – الرزق مقسوم ولكن السعي واجب –  والذي أنصحك بقراءته والتأمل في ما ذُكر فيه، والذي منه كلام الشيخ حول الرزق: “إنا جميعاً في سباق، فما منا إلا من يجد أمامه من سبقه، ووراءه من تخلف عنه، كُل امرئ منا سابق ومسبوق، فإن كان من رفاق مدرستك، وأصدقاء صباك، من كان مثلك فصار فوقك، فلا تيأس على نفسك ولا تبك حظك فإن منهم من صرت أنت فوقه، فلماذا تنظر إلى الأول، ولا تنظر إلى الثاني؟ إن الله هو الذي قسم الأرزاق، وكتب لكل نفس رزقها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، أي اعملوا فإن السماء -كما قال عمر العبقري – لا تُمطر ذهبا ولا فضة، ولكن الله يرزق الناس بعضهم من بعض. لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته، أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر فلما ذكر الرزق أقسم بذاته جل جلاله فقال: {{وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}} [الذاریات: ۲۲، ۲۳].”