لعله خير.. لعله خير

لعل المصاب الذي وقع بك هو الخير وأنت لا تعلم..

ولعل في فقد الوظيفة التي أحببتها كل الخير وأنت لا تعلم، فربما فتحت لك أبواباً جديدة وفرصاً أفضل من تلك الفرصة التي تعلقت بها وفاتتك فرص كثيرة من أجلها..

ولعل في تأخرك في الزواج خير حتى تنضج وتستقر أمورك وتتمكن من الاختيار السليم وتتجنب مشاكل وصدامات لم تأخذها بالحسبان..

ولعل في تأخرك في التوظيف خير فربما لم تصل للفرصة المناسبة لك، وربما ينقصك القليل من المهارات حتى تنجح وما حصل لك تنبيه ومحفز لك لتحسين نفسك واكتساب المزيد من المهارات التي ستفتح لك أبواب الخير..

ولعل في نقلك من مكان عملك خير لك وأنت لا تشعر، فربما كنت متعلقاً بذلك المكان ونسيت أو تناسيت أن الدنيا لا تستقيم لأحد، وأن من سنن الحياة التغيير وأن عليك أن تكون مستعداً لأي تغيير قد يطرأ في الحياة دون سابق انذار..

ولعل المرض الذي هدّ جسدك هو الخير لك، ففيه كفارة للذنوب ورفعة للدرجات وسبب في تعلقك بالله وقطع العلائق بالبشر، وربما كان أجلك قريباً فأراد الله ألا تغادر هذه الدنيا إلا وقد كُفرت خطاياك ورُفعت درجتك ولم تكن لتصل لهذه الدرجة إلا من خلال هذا البلاء والابتلاء.

الإنسان لا يعلم ما وراء الأحداث، وليس كل حدث بظاهره، ألم تروا إلى أولئك المساكين التي أتلف الخضر سفينتهم، والغلام الذي قُتل، والجدار الذي أقامه الخضر دون مقابل كيف تغيرت نظرتنا نحن لتلكم الأحداث بعدما كشف الغيب السر خلفها في سورة الكهف!!

أما السفينة فكان الضرر اليسير فيها سبب لحفظها من أن يتم أخذها من ذلك الملك الظالم، وأما الغلام فقد علم الله أنه لو كبر فسيكون عاقاً وطاغياً وسيتسبب بالضرر على والديه إذا بقي معهم وترعرع بينهم وهم لا يشعرون، وأما الجدار فكان تحته كنز لأيتام توفي والدهم وكان من الصالحين فحفظ الله لأبنائه ذلك الكنز رحمة منه جل وتعالى.

فنحن لا ندرك الحكمة خلف كل مصيبة ومشكلة تحصل، ولكن الله يعلم وعلى المسلم أن يُحسن الظن بالله وأن ما حصل هو الخير وإن لم يعلم.

وحتى لو كان الذي وقع بك بسبب ذنوبك فهو خير لأنك في وقت يمكنك التوبة والرجوع عن الخطأ وتلكم المصيبة تنبيه لك لتُراجع نفسك وتنتبه قبل فوات الأوان.

أختم بمقولة ملهمة قالها الكاتب أدهم الشرقاوي في كتابه – المنكسرة قلوبهم – حول هذا الموضوع: “يقولُ عبد الله بن مسعود: إنَّ العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى ييسر له، فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتشاءَمُ، يقول: سبقني فلان، ودهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عزّ وجل يحمينا بطرق لا نفهمها! ويمنع عنا ما نريد، ليعطينا ما هو أنفع، وفي بعض الأخذ إبقاء، ألا ترى أن الأطباء يبترون العضو الذي أصابه التلف ليبقى الجسد صالحاً للحياة، وهذه كتلك، ولله المثل الأعلى.

وفي صيد الخاطر لابن الجوزي: كان بعض السلفُ يسألُ الله الغزو، فيُصرف عنه، فيتسخط فأتاه آت في المنام فقال له: إنكَ إِن غزوتَ أُسِرْتَ، وَإِن أُسِرْتَ تَنصَّرتَ.”