الرزق مقسوم ولكن السعي واجب

جلست على مائدة الإفطار وأمامي أطايب الطعام، فلما بدأ القوم بالأكل انتظرت وانتظرت حتى يأتيني نصيبي ورزقي فلم أزل هكذا حتى نفد الطعام.

فالتفت إليّ صديقي وقال: إذا أردت أن تأخذ نصيبك وتنال رزقك فحرك يدك ومُدها إلى الطعام.

وأما لو أحببت الانتظار حتى يأتيك رزقك فأخشى أن تموت جوعاً!!

البعض لا يزال ينتظر، ويُكثر من الدعاء على أمل أن يرزقه الله بوظيفة أو عمل لكنه لا يفعل أكثر من ذلك!! فلا هو بالذي يخرج للعمل ولا هو بالذي يسعى في تجارة أو عمل سيدر عليه دخلاً إنما هو في حالة انتظار وترقب للسماء أن تمطر عليه ذهباً وفضة ويقوم هو بجمع ذلك!!

قال الله عز وجل لمريم ابنت عمران وهي في أشد حالات الضعف بسبب الولادة ((وهزي إليك بجذع النخل تُساقط عليك رطباً جنياً)) وهو القادر جل في علاه على أن يرزقها ويطعهما بلا سبب.

وقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن الناقة هل يربطها ويتوكل فقال له صلى الله عليه وسلم (اعقلها وتوكل)، وفي هجرته من مكة للمدينة صلى الله عليه وسلم خطط للرحلة واستأجر دليلاً وخرج من طريق غير معتاد وفي وقت غير معتاد ليصل إلى وجهته ولم يسأل الله أن يحمله للمدينة على دابة وإنما أخذ بالأسباب وتوكل على الله.

ونحن في زماننا أناس جالسون في بيوتهم، يتصفحون وسائل التواصل ويأكلون أطايب الطعام، ويتسخطون على أن الرزق والعمل والوظيفة لم تأت إليهم ولم تكن من نصيبهم!!

سألت أحدهم قبل سنوات وهو الذي يشتكي من قلة الفرص وشُح الوظائف بالسوق عن عدد الشركات التي تقدم لها فقال: اثنتان فقط، وجلس بعدها بالبيت يندب حظه!!

وآخر جلس بالبيت لسبع سنوات متحججاً غاضباً أن الفرصة التي تليق به كخريج من الجامعة لم تأت بعد!!

وثالث يريد العمل في إحدى الوزارات، في القسم الفلاني، والمكتب الذي قام بتحديده فقلت وهل تريد أن تجلس كذلك جنب الشباك وتحت المكيف!!

وغيرهم كثير من الأفراد ممن أساء فهم الرزق واعتقد أنه بمجرد تخرجه من الثانوية أو الجامعة فسيجد الكثير من الشركات والمؤسسات تفتح ذراعيها لاستقباله واكرامه واعطاءه الفرصة التي يتمناها.

والبعض تمسك بفكرة العمل في القطاعات الحكومية ونسي أو تغافل عن الجهات الكثيرة والعديدة المتاحة للتوظيف من مؤسسات وجهات مختلفة وفرص كثيرة متنوعة للعمل والكسب.

في الحياة فُرص كثيرة، والله قد كتب الرزق للناس كافة ولكن علينا أن نبحث ونكتشف ذلك، فالحياة مثل طريق مليء بالأبواب ومنها المفتوح والذي يَسهل الولوج فيه، ومنها المُغلق بإحكام، ومنها ما يحتاج لقليل جُهدٍ لفتحه والدخول من خلاله، وعلينا أن نُجرب أكثر من باب لا أن نجلس أمام أول باب نندب حظنا.

وأختم بكلمة جميلة قالها الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه – الرزق مقسوم ولكن السعي واجب – قال فيها: ” ما خلق الله حياً من الأحياء، إنساناً ولا حيواناً إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحاً على كرسيه، ويُمسك قلمه بيده، فيجريه على الورق، و منهم من وضع الله رزقه أمام الفرن أو النور، ومن رزقه في مصنع الثلج، وهذا عند حرارة النار، وهذا عند برودة الجليد، ومن رزقه مع الأولاد الصغار في المدرسة، أو العُمال الكبار في المصنع، ومن رزقه وسط لُجة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به، ومن رزقه وسط الصخر الصلد، فهو يکسره ليستخرجه، ومن رزقه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه.”