قصص النجــاح!!

نشأ جيسن في ظل طفولة صعبة وقاسية جداً، فقد كان يتعرض للتعذيب والضرب بشكل يومي على يد والديه، والتهميش من معلميه، والقسوة من أقاربه، جتى إنه تعرض للطرد مرات ومرات وهو على رأس العمل بدون أي سبب محدد، وفي أحد الأيام وهو يمشي في الشارع مهموماً وحزيناً وجد قصاصة مرمية قرب إحدى سلات المهملات ففتحها ووجد فيها عبارة مكتوبة: إذا لم تستطع لمس القمر فأفلها ستصل للنجوم.

فأشعلت الكلمات في نفسه شرارة الهمة وقرر تغيير واقعه وعمل بجد وانضباط حتى صار أحد الأثرياء في أمريكا وهو لم يكمل التعليم الأساسي ولم يدخل الجامعة، وقال في أحد لقاءاته: الدراسة ليست أحد شروط النجاح، بل هو العمل الجاد هو ضمانك للنجاح.

ماذا شعرت وأنت تقرأ هذه القصة الجميلة والملهمة للمليونير الأمريكي جيسن الذي لن تجد قصته في أي مكان لأنها من نسج الخيال!!

لم أقصد أن أكذب عليك، إنما لأقول لك أن تنتبه للقصص المنتشرة في كتب التنمية وعلى ألسنة المتحدثين عن النجاح، ولو صحت مثل هذه القصص فمثلها عدد أكبر بكثير دمرته الأحداث التي مرت به، وسرد معاناة إنسان واحد وجعلها الطريق الأوحد للنجاح والتميز تضليل وتلبيس على الناس.

لكل إنسان قصته الخاصة به وظروف معينة ساهمت في تشكيله من بيئة وتربية وتنشئة وتوقيت وجد نفسه فيه وفرص كانت قريبة منه اجتمعت وساهمت في وصوله للنجاح، ولكن يحول للبعض أن يختزل هذه القصص ويجمعها كلها في خانة واحدة وتحت شعار يحث الشباب على ترك التعليم والدراسة والجامعة والتركيز فقط على الحلم والمشروع وبعدها سيصلون حتماً للنجاح المُبهر.

ولو قرأت قصص هذه الشخصيات التي يتغنى بها البعض على لسان أصحابها لوجدت الحقيقة بعيداً عن الزيادات التي يحلو للبعض إضافتها، وإلا فلماذا يدعم هؤلاء الناجحين من أصحاب الملايين المراكز العلمية والبحثية والجامعات بالملايين ويسعون لتوظيف الكفاءات والنخب في شركاتهم إذا كانت الدراسة الجامعية والتعليم على اختلاف أنواعه لا قيمة له ولا تأثير في النجاح؟

ففي قصة بيل غيتس الذي اشتهر عنه أنه ترك الجامعة، فقد اعتنى فيه والداه وتلقى تربية ممتازة، وتم ادخاله احدى المدارس المتقدمة حينها والتي كانت من المدارس المحدودة التي فيها جهاز كمبيوتر حينها بالولايات المتحدة الأمريكية، وأتيحت لبيل غيتس الفرصة لمعاينة امكانيات هذا الجهاز الجديد والسير في هذا المجال الناشيء حينها، فماذا كان سيحصل لو أدخل في مدرسة لم يتوفر فيها حاسوب، أو مدرسة بأحد الأحياء الفقيرة أو ببلد آخر؟؟ لربما ما كنا سمعنا به بتـاتاً!!

ولا يزال البعض بالرغم من كل ذلك يختزل سبب النجاح بترك الدراسة لا أكثر وينسى كل العوامل الأخرى!!

ولماذا إذاً يوجد العديد من أصحاب الملايين مؤسسي الشركات الناجحة والنجاحات المبهمرة هم من حملة الشهادات العليا!!

لا ننكر أن هناك من نجح بلا تعليم، وهناك من نجح بتعليم فردي وذاتي، وهناك من نجح بتعليم جامعي وخبرات وظيفية عملية اكتسبها من عمله في عدد من الشركات.

فالقاعدة هنا أن لا ننظر للحالات الفردية أو اقتطاع جزء صغير منها ثم نقوم بتعميمها، وأن لكل شخص ناجح عدة عوامل ساهمت في وصوله وتميزه ولم تتكرر مع أي شخص آخر، وأن مثل ما هنالك قصص للنجاح اشتهرت فهناك قصص كثيرة للفشل لم تلق الرواج والشهرة لتعثر أصحابها وربما دخولهم للسجن بسبب الإلتزامات التي صارت عليهم.

أقول هذا الكلام لأحثك على الإجتهاد والنظر للظروف المحيطة من حولك أولاً، وأن تبحث عن الفرص التي يمكنك الإستفادة منها وتتناسب مع شخصيتك وظروفك التي أنت فيها الآن وتصنع قصتك الخاصة للنجاح، لا أن تستنسخ تجربة أو مقولة لشخص قد لا تعرفه أو لا يكون موجوداً وتكون سبباً في تعثرك وفشلك.

فليس كل من رسب في الجامعة قادر على تأسيس شركة ناجحة، ولا كل من تفوق بالجامعة سيكون موظفاً مغموراً للأبد..

فلا تستعجل في أخذ كل ما جاء في قصص النجاح لبعض من ترك الجامعة ونجح..

فخلفها عشرات بل مئات القصص ممن تعثروا في الحياة ولم يحققوا أي شيء!!