ماذا سيحصل لو استغنت السيــارات عن البنزين؟

هيمنت شركة نوكيا على مجال تصنيع وبيع الهواتف مدة من الزمن، وقد كان الذي يحمل هاتف نوكيا من الطرازات الرفيعة يعد ذا شأن ذلك الوقت مثل هاتف نوكيا 9300 ونوكيا 9500، وقد بدت بوادر ظهور تقنيات جديدة ذلك الوقت ولكن الشركة لم تأخذ بهذه التغييرات على محل الجد ولم تدرس إمكانية تطبيقها لهذه التقنيات الجديدة من لمس وبرامج جديدة للتواصل، ومع ظهور الآيفون عام 2007 بدأ نجم الشركة بالأفول سريعاً حتى كانت خبراً من الماضي وذكرى يحملها من تعامل معها في ذلك الوقت.

وكذلك الأمر بالنسبة لشركة بلاكبيري التي كانت تحتكر تطبيق التواصل الخاص بها (مسنجر بلاكبيري) حصراً على أجهزتها، ولم يكن من الممكن التواصل إلا عبر أجهزة بلاكبيري حتى ظهرت تطبيقات كثيرة للتواصل تعمل على مختلف الأجهزة مثل واتساب وغيرها، وبالرغم من محاولة بلاكبيري اتاحة المسنجر على كافة الهواتف لاحقاً إلا أن التوقيت كان متأخراً وضاعت الفرصة أمامها.

والأمر قد تكرر أيضاً مع بوادر تصنيع البلاستك وتأثيره على سوق الفخار والزجاج واستحواذه على حصة كبيرة من المصنوعات والإنتاج لرخص ثمنه وسهولة تشكيله ومقاومته للظروف مع عمر افتراضي طويل.

والتغيير طرأ أيضاً في أسواق اللؤلؤ الطبيعي وظهور اللؤلؤ الصناعي في اليابان، فقد استطاعت دولة واحدة بالتأثير على اقتصاديات دول عديدة كانت تتخذ من اللؤلؤ مصدراً للدخل وحطمت الكثير من الاستثمارات التي قام بها التجار حينها في بناء السفن وطلبيات الأخشاب ومهن ووظائف العاملين في قطاع الغوص كافة حتى باتت رحلات الغوص من ذكريات الماضي.

ولم يسلم الفحم من التغييرات التي حصلت في أسواق الطاقة مع اكتشاف البترول والغاز وكفاءته العالية مقارنة بالفحم، وتفاوت التكلفة للإنتاج، وخسر العديد ممن كانوا يمتلكون مناجم للفحم وتم تسريح العمال وانتهى الاعتماد على الفحم كمصدر أساسي للطاقة.

التغير وارد في جميع القطاعات، ومن يعتقد أن الوضع سيستمر على ما هو عليه فهو واهم، وقد يطال التغيير الكثير من مواد الخام الأساسية التي يعتمد عليها الناس مثل البترول والغاز والألمنيوم وغيرها ويتم ابتكار بدائل رخيصة أو اكتشاف عناصر أو تقنيات يمكن أن تحل محلها عما قريب.

وبالتالي ستتأثر أسواق مواد الخام بشكل كبير وسينخفض قيمتها والمردود الحاصل من بيعها في الأسواق العالمية، وهناك الكثير من البوادر التي تنبأ بالتغيير الي سيحصل في سوق السيارات التي تعمل على الوقود مع ظهور السيارات الهجينة والسيارات التي تعمل على الهيدروجين والسيارات الكهربائية والتي لا تزال في طور من التطوير السريع والسيارات التي تعمل على بطاريات الليثيوم ذات الكفاءة العالية والتي يتم تطويرها حالياً من قبل شركة تويوتا اليابانية.

فهل نحن مستعدون للتغييرات التي قد تطرأ في المستقبل؟ وماذا نحن فاعلون لذلك؟

وأختم بكلمة اقتبستها من مقال للكاتب فهد عامر الأحمدي نشرت في جريدة الرياض عام 2017 بعنوان – القفزة التي ستعيدنا للخلف – ذكر فيها:” أما الكارثة الجديدة فهي الانتشار السريع للسيارات الكهربائية في معظم الدول.. أصبحت شركة تسلا الأميركية (لصناعة السيارات الكهربائية) الأكثر نمواً في قطاع السيارات.. تحاول جميع الشركات التقليدية (مثل تويوتا وهونداي ومرسيدس وفورد) اللحاق بها خشية توقفها عن العمل حين يتوقف العالم عن استهلاك النفط.. في كل سنة أسافر فيها للخارج ألاحظ ارتفاعاً مطرداً في أعداد السيارات الكهربائية والهايبر (التي تجمع بين النفط والكهرباء).. شاهدت في النرويج حياً كاملاً تصطف فيه سيارات كهربائية تشحن نفسها خلال الليل.. سيارات مألوفة ــ ومن شركات معروفة ــ وفي بلد يعد من أكبر الدول المنتجة للنفط.. لاحظت في البرازيل أن محطات الوقود تملك رائحة غـريبة (تختلف عن رائحة البنزين التي تفوح من محطاتنا) حتى علمت أنه نفط عضوي مستخرج من زيت الذرة تسير عليه 95% من السيارات هناك.

من السذاجة فعلاً أن نطمئن لوجود النفط (حتى لو امتلكنا منه مخزونا ًلألف عام) لأن الخطر سيأتي من جهة غير متوقعة.. سيأتي من خلال “قـفزة تقـنية” قد تكون محركاً جـديـداً، أو بطارية خارقة، أو اكتشاف غير مسبوق، أو طاقة بديلة أرخص من النفط.”

وقفزة كهذه ستكون بلا شك نعمة للدول المستوردة ولكنها بالنسبة لنا “قـفـزة تعيدنا للخلف”.. فنحن ببساطة شعوب غـير مُصنعة ولا منتجة يشكل استغناء العالم عن النفط كارثة حقيقية بالنسبة لـنا.. واحتمال كهذا لا يستدعي منا فقط تنويع مصادر الدخل بـل وضرورة تحولنا بسرعة إلى مجتمع صناعي حقيقي يملك منتجات قابلة للتصدير…