يحكى عن صياد ترقب تحت شجرة ليصطاد بعض الطيور عند الغروب وبقاء شيء من ضوء النهار ليبصرها، فقال في نفسه: لم لا أنتظر حتى الليل ثم ألقي بشباكي لعلي أصطاد الكثير منها وهي لا ترى ولا تبصره في الليل، وعندما قام الصباح ليُعاين صيده الثمين وجهده المضني في رمي الشباك تلو الشباك على الشجرة اكتشف أنه اصطاد ابن عرس الذي تسلق الشجرة لينام، وصرصور الليل، وعدداً من الأغصان القديمة المتكسرة العالقة على الشجرة!!
والمغزى من هذه القصة الرمزية هي في توقيت اتخاذ القرار والإقدام عليه فليس المهم أن تعرف ما هو القرار الصائب الذي ستتخذه فحسب وإنما الأهم وجود مبرر لاتخاذ القرار وتوقيته ومن ثم الإقدام عليه حتى لا تصبح مثل صاحبنا الصياد.
فلو قرر الإنسان أن الأوان قد حان للزواج وأن عمره الآن هو الأنسب، وهو لا يملك عملاً ولا مصدراً للدخل ولا حتى المعرفة بأساسيات بناء أسرة واختيار زوجة مناسبة فهل لهذا القرار من قيمة؟
ولو قرر إنسان أن يبدأ مشروعاً تجارياً ويستغني عن العمل الوظيفي ولكنه مديون لأكثر من جهة، ولا يملك مصادر دخل أخرى للعيش من خلالها ولا مبلغاً مدخراً فهل لهذا القرار من فائدة أم أنه قد يجر عليه الويلات؟
اتخاذ القرارات أمر لا مفر منه في حياتنا بدءاً من اختيار الطريق الذي ستسير فيه، والأكل الذي ستفطر عليه، واللباس الذي سترتدي، وميعاد النوم الذي تراه مناسباً حتى تستيقظ للغد إلى القرارات المصيرية من زواج وعمل واختيار تخصص وسفر وغير ذلك كثير.
ومن القرارات المصيرية التي تواجه الشباب القرارات المتعلقة باختيار التخصص الجامعي، والجامعة أو الكلية التي سيسجل فيها، والدراسة داخل البلد أو خارجه، وهل أكمل الدراسة في هذا التخصص أو أخرج منه، وما البعثة والمنحة التي ستلبي طموحي، وما الوظيفة الأنسب لي وغيرها كثير.
وهي قرارات مهمة وحيوية وتوقيت الاختيار أيضاً مهم فيها، فلو كانت الجامعة التي أريد الدراسة فيها تتطلب تعلم لغة ما مع امتلاك مستوى معين من الإتقان فلابد من التخطيط والبدء في ذلك بوقت كاف لتحقيق هذا الهدف.
ولو كان الطالب في تخصص يجد فيه الصعوبة ولا يستطيع مواصلة الدراسة فيه فلابد من اتخاذ قرار ما إذا كان يحتاج لحافز أو إعادة نظر لأساليبه في الدراسة أو أن الوقت حان للبحث عن تخصص آخر وبشكل عاجل خصوصاً عندما يتأمل الطالب وراءه ويجد أنه قد أمضى 3 أو 4 سنوات في تخصص لا يحبه، ولا يتقنه، ولا يريد المواصلة فيه ولا العمل به ولكن في نفس الوقت يرى أنه من الخسارة تضييع كل ذلك الجهد والبدء من الصفر.
وحقيقة إن هذه القرارات تتطلب ترويّ وجلوس مع مختصين للوصول للقرار المناسب وتوقيته، وقد عاينت أمثلة لطلبة أمضوا قرابة العشر سنوات في تخصصات هندسية فلا هم بالذي استطاعوا اكمال مقرراتها ولا هم بالذي يريدون الخروج منه وباعتقادي انهم لو استمروا على هذه الحال لربما ينتهوا من مرحلة البكالوريوس بعد 4 أو 5 سنوات أخرى!!
وفي أحيان أخرى يكون الطالب قادراً على اجتياز المقررات واحراز درجات من مقبول إلى جيد جداً في أغلب المواد وربما يتسبب ذلك في تأخيره سنة أو أكثر فهنا ينظر في السنة الدراسية التي وصل لها الطالب وتأثير اتخاذ القرار في هذا الوقت، فهنا اتخاذ قرار التحويل لتخصص آخر في بداية المشوار سهل وقد يكون هو الأنسب، ولكن إذا وصل الطالب للسنة الأخيرة أو لم يبق له إلا أشهر للتخرج فهل سيكون اتخاذ القرار الآن بالتغيير إلا محض مجازفة وهدر لكل تلك السنوات من الجهد والتعب!!
لست أنادي بالإكمال في التخصص الذي لا يناسب المرء ولكن لا تتم عملية اتخاذ القرارات بهذا الشكل، واحياناً امتلاكك لشهادة في تخصص قد لا تكون مُعجباً فيه بشكل كبير وقد يساعدك في الحصول على عمل في المجال الذي تحب وترغب فيه فليست الجامعة نهاية المطاف، ولا يوجد إلزام على الخريج بالعمل ضمن إطار تخصصه الضيق بل الفرص والوظائف والخيارات الكثيرة المتاحة في الواقع للعمل وبدء مشاريع حرة أكبر من أن يتم حصرها في هذا المقال المختصر.
والحياة مليئة بالفرص وأحياناً نحتاج للقليل من العقل والمنطق في مسألة اتخاذ القرار أكثر من العاطفة وهذا ما أنصح به الشباب في بداية المرحلة العمرية ألا يستندوا بشكل كامل على مشاعرهم ورغباتهم فالمشورة ستفتح ذهنك على خيارات لم تكن تفكر فيها.
وبعد المشاورة والبحث تأتي صلاة الاستخارة وأن تتوكل على الله وتقدم على القرار الذي اخترت وترضى بما ستؤول إلية الأمور فالغيب مسألة لا يحيط لها أي من البشر ولا المخلوقات وهي في علم الله تعالى.
وستظل اختياراتنا وقراراتنا غامضة النتيجة على المندى البعيد والقصير وما نملك نحن إلا السعي وبدل الجهد للوصول لأفضل اختيار وقرار ممكن.
