كيف تجد العمل الذي يناسبك؟

كيف تجد العمل الذي يناسبك؟

لن أتكلم اليوم عن الطرق المتاحة وأسردها وإنما سأتكلم من واقع تجربتي الشخصية وكيف وصلت إلى العمل والوظيفة التي أعمل بها الآن.

كنت في المرحلة الثانوية مولعاً بالحاسوب وتصليحه وكل ما يتعلق بالتقنية وكنت أطمح لدراسة تخصص هندسة الحاسوب أو الإلكترونيات حينها، ولكن قدر الله أني التقيت بأحد الأشخاص الذي نصحني بتخصص يقع بين الحاسوب وبين إدارة الاعمال وأن المستقبل سيكون لهذا التخصص.

ومع قلة المعلومات عندي، بالرغم من ثقتي أن الحاسوب وما يتعلق به كان الخيار الاصوب إلا أنني استمعت لهذه النصيحة وكانت حينها بداية المعاناة مع تخصص لم أجد نفسي فيه وكنت بالكاد أنجح فيه.

حاولت التغيير أكثر من مرة، سواء تغيير الجامعة أو تغيير التخصص إلا أنني لم أوفق لذلك وأكملت الدراسة في هذا التخصص على مضض، وكنت أبحث وأقرأ كثيراً عن كل ما يتعلق باختيار التخصصات الجامعية في محاولة يائسة لتغيير مساري والعثور على المسار الذي سأدرس فيه بهمة وأحقق فيه مستوى نجاح مرضي.

وهنا كانت البداية التي غيرت توجهي لمجال علم النفس والإرشاد المهني، فقد كنت أقرأ الكثير من المقالات حول التوتر وسبل التعامل مع الضغوطات والصداع النفسي وغيرها من الأمور التي كنت أعيشها في ذلك الوقت عندما كنت طالباً في تخصص نظم المعلومات الإدارية بجامعة البحرين.

ولست هنا بصدد ذم التخصص أو مدحة وإنما لبيان أن التخصص لم يكن الخيار المناسب لي، وأن دراستي لهذا التخصص سبب لي الكثير من الألم والضغط النفسي والصداع حتى انتهيت منه بعد 6 سنوات من الدراسة، وحينها كان قد تغير توجهي ووجد أنني مهتم بمجال آخر بعيد عن الحاسوب ألا وهو مجال علم النفس واختيار التخصصات وما يتعلق به من مواضيع وتفريعات.

وبعد انتهاءي من الجامعة، بدأت رحلة البحث عن عمل ولم أجد ذلك إلا بعد شهور من البحث والتقديم على العديد من الجهات، ومن الله عليّ وسهل لي العمل في وزارة التربية والتعليم كمعلم للمواد تجارية والحاسوب لطلبة المسار التجاري.

ومن توفيق الله وتيسيره أنني وُفقت حينها في بداية الحياة المهنية لدراسة الدبلوم التربوي في كلية المعلمين، والذي شكل نقلة كبيرة لتفكيري وللمجالات التي تتناسب معي.

فقد كنت متفوقاً في المواد التي تعتمد على علم النفس التربوي وحققت فيها أعلى الدرجات، ووجدت نفسي مُنجذباً لمجال التعليم والعمل مع الآخرين وتوجيههم.

وبعد حصولي على دبلوم التربية عملت بمدرسة حكومية كمعلم مواد تجارية، وكنت أخصص من وقتي 3 حصص للجلوس مع الطلبة ومناقشتهم في اختياراتهم المستقبلية والتخصصات التي يطمحون لدراستها حرصاً على ألا يقع أي طالب فيما وقعت فيه من تشتت ومعاناة عندما كنت في الجامعة.

وبفضل من الله ثم هذه الأعمال التي كنت أعملها مع الطلبة بالإضافي لتطوعي في مجموعة كانت تهدف لتوجيه الشباب نحو الوظائف المتاحة في سوق العمل حينها تمت الموافقة على نقلي من العمل كمعلم مواد تجارية إلى اختصاصي إرشاد مهني لطلبة المرحلة الثانوية، وهو المجال الذي لا زلت أعمل فيه إلى هذا اليوم ولله الحمد والمنة.

فكم هي المجالات والأعمال التي تتناسب مع الإنسان ولكن لا يعلم عنها شيئاً لأنه لم يُجربها لمدة كافية ولا يعلم مدى استمتاعه بالعمل فيها من عدمه، وما الأعمال التي يمكنه تعلمها والنجاح فيه بشكل أسرع من غيرها من الأعمال.

وقبل اختيار المهنة المناسبة لا بد من الحديث عن اختيار التخصص الجامعي المناسب والذي سيوصلك للمهنة التي تكمح في العمل فيها مستقبلاً، ولو عاد بي الزمان لاخترت تخصص علم النفس أو علم النفس التربوي لأنه التخصص الذي يتناسب معي ويمكنني تحقيق مستويات متقدمة فيه ويختصر عليّ سنوات من المعاناة والتعب.

وهنا نقطة أود الإشارة إليها أن ميول الإنسان واهتماماته تتغير مع الوقت خصوصاً مع تجربته لمجالات وأعمال جديدة، ولا بأس إذا وجد الإنسان نفسه في مجال بعيد كل البعد عن المجالات التي كان يحسب أنها الأنسب له، فلا تعلم لعل الله قدر لك الخير في مجالات أخرى بعيدة عما اخترته لنفسك، ولا أخفي أنني لا زلت أحب مجال الحاسوب ويسهل عليّ التعامل معه وهو ما ساعدني في عملي الحالي مع الطلبة.

وبالرغم من ذلك لو أتيح لي المجال لاستكمال الدراسة العليا فسأختار ما يتماشى مع عملي الحالي من تخصصات علم نفس تربوي أو ارشاد مهني ولن أختار مجال الحاسوب لأني أشعر أن اهتمامي تغير لمجال آخر.

وأجزم أننا لو أدخلنا مقررات عملية لطلبة المدارس وفيها يُجرب الطالب العديد من المهام والوظائف والأنشطة المرتبطة بوظائف فعلية في سوق العمل أن ذلك سيساعدهم على الاختيار الأنسب بإذن الله.

كما أن التطوع والعمل في المؤسسات الغير ربحية وتجربة مختلف الأعمال والمهام هي من الأمور المهمة والتي أنصح بها أي طالب يريد اكتشاف نفسه وماذا يصلح له في سن مبكرة.