يحكى عن تجربة علمية أقيمت حول نوع من أنواع من البراغيث التي تمتاز بالقدرة على القفز عالياُ وذلك بوضعها في علبة مُحكمة الإغلاق لتعيش وتتكاثر فيها مدة من الزمن.
ومع تكرار القفز المعتاد واصطدامها بسقف العلبة قللت من ارتفاع القفزة حتى تتناسب مع المساحة المتاحة، وكذا نشأ الصغار أيضاً داخل العلبة وصاروا يقفزون بنفس المقدار، وعندما أزيح الغطاء وأخرجوا من ذلك المكان الضيق استمروا على نفس النمط ولم يرجعوا للمستوى السابق من القفز.
قد لا تنطبق مخرجات كل تجربة علمية على الإنسان، ولكن هناك بعض الدروس المستفادة والتي يمكن اسقاطها على حياة البشر والتعلم منها، مثلما حصل مع البراغيث عندما أزيح السقف وصار القفز العالي خيارًا متاحاً..
فالكثير مما نراه اليوم من نمط الحياة والعمل والسكن هو نتاج ثقافة ألفناها وصار الواحد فينا لا يستطيع التفكير في بديل قد يكون أفضل منها وأقل تكلفة وأنفع.
ففي مجال البناء والسكن وتوسعة السكن لايزال الناس متمسكين بخيار الإسمنت والطابوق فهل هو الخيار الأفضل الآن خصوصا مع ظهور منتجات وبدائل كثيرة موفرة للطاقة وعازلة للحرارة وأرخص بالتكلفة؟
وفي جانب التجارة وبدء المشاريح التجارية فلا يزال الاغلبية يحملون فكرة ناقصة عن هذا المجال وأن من المستحيل البدء بدون استئجار مكان وتجهيزه وتوفير رأس مال كبير لتغطية النفقات لمدة من الزمن.
لاشك أن هذا الخيار متاح، ولكن هناك العديد من الخيارات الأخرى الممكنة أيضاً ويمكن البدء من خلالها كاستخراج سجل افتراضي ميسر، واصدار رخصة العمل للأسر المنتجة والعمل من المنزل، ومشاريع الانستغرام والبدء من خلالها، والمتاجر الرقمية والتي لا يشكل قيمة تأسيسها والبدء فيها عشر تأسيس متجر تقليد، وغيرها من الخيارات التي يختلف المُسمى والنظام حسب الدولة.
وهناك الكثير والكثير من المجالات التي يعتقد الناس بمحدودية الخيارات المتاحة بالرغم من توافر الكثير منها.
ربما لو كان للبرغوث الصغير منطق أوسع لتأقلم مع الواقع المؤقت لمدة ومن ثم يعاود القفز عالياً إذا أزيح السقف الذي كان يمنعه من القفز..
ربما..
ولكن الله أعطى الإنسان العقل والمنطق أفلا يكون من المنطقي أن نعيد النظر في الكثير من القناعات والحواجز التي رسمناها في مُخيلاتنا ونبحث دائماً عن البديل الأفضل؟

أثر البيئة يقوم بنحت السلوك البشري للأفضل أو الأسوأ.