إذا تأملت زملاءك ومن كانوا معك على مقاعد الدراسة، ستجد أنّ منهم من صار طبيبا ومهندسا وطيارا، ومنهم من يملك الأموال الكثيرة ويترأس الشركات والمؤسسات وستشعر أنهم أفضل حالاً منك.
وفي المقابل لو تأملت البقية لوجدت فيهم المريض والمهموم، والمسجون والمديون ومن مات زمن الشباب والقوة، ومن هم دونك في الحال وستكتشف أنك أفضل حالاً منهم.
الأمور في الحياة نسبية، والحسد الذي ينشأ عند الناس سببه الجهل، وعدم إدراك مسألة مهمة وهي: أن المعايش والأرزاق مُقسمّة بين الناس لحكمة ربانية.
قال تعالى: “نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا “الزخرف: 32
ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: أنه تعالى قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال :” نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ” وقوله ” ليتخذ بعضهم بعضا سخريا” قيل : معناه ليُسخر بعضهم بعضاً في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا.”
وسئل الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله عن معنى الآية ﴿ورفعنا بعضكم فوق بعضٍ درجات﴾ فقال: المعنى، أن الله سبحانه وتعالى فضّل الناس بعضهم على بعض في العقل والذكاء والعلم والعمل والجسم طولاً وقصراً وجمالاً وقبحاً وغير ذلك.”
فلم الحسد إذاً و إمعان النظر ومدّ البصر لما في أيدي الناس؟
ولماذا الإكثار من قول ليت وياليت، ولو فعلت كذا وكذا لكان كذا، ولكنت في حال أفضل مما أنا عليه الآن؟
فطالما اجتهدت، وسعيت وبذلت الأسباب لتحسين وضعك ولم تُقصر في شيء، فلا تتحسر على ما فات.
وليس كل الناس سواسية، ولا يولد الجميع في أسر ميسورة الحال ويتاح لهم سبلُ الرخاء والغنى التي تتحسر على عدم امتلاكك لها، وما أدراك لعل ما أنت فيه من صحة وعافية وولد وأسرة وهدوء بال، نعمة عظيمة يفتقدها من تراهم بعين الحسد والطمع لما عندهم.
وكما أن هنالك أناساً أفضل منك في المال والمنصب والجاه وشتى الأمور فهناك من هم أقل منك ويتمنون ربع ما عندك، قال صلى الله عليه وسلم: ” انْظُرُوا إلى مَن أسْفَلَ مِنكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكُمْ، فَهو أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ” صحيح مسلم: 2963
و ما عليك إلا أن تجتهد في تحسين وضعك، دون مبالغة وإهمال لبقية الجوانب المهمة في حياتك واترك النتائج على الله، ولن يضيع جهدك وسعيك.
وأختم بعبارة جميلة قالها حاتم الأصم أبو عبد الرحمن الزاهد صاحب المواعظ والحكم وردت في كتاب مختصر منهاج القاصدين: “فإني رأيت الناس يتحاسدون، فنظرت في قوله تعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا } فتركت الحسد.”
