اتخاذ القرار بين الاستشارة والاستخارة

في غرفة العمليات يجد الطبيب نفسه أمام الكثير من الخيارات وعليه أن يتخذ القرار الحاسم في ظرف ثوان معدودة للحفاظ على حياة المريض وتقليل الخسائر قدر المستطاع.

وأي تأخير في اتخاذه للقرار قد يتسبب في هلاك المريض أو تعثر وضعه وتدهور صحته.

ومهارة اتخاذ القرار ليست حكراً على عمل الطبيب والجراح فحسب بل في حياتنا كلنا، وفي مناسبات كثيرة نجد أمامنا مجموعة من التحديات والمشكلات التي تستدعي اتخـــــاذ القرار في الوقت المناسب دون تأخير.

وقد يتوقف البعض ويؤجل اتخاذ القرار وهو يظن أن المشكلة ستحل نفسها بنفسها، وما عرف أن ذلك قد يكون سبباً في تفاقمها ووصولها لمستويات حرجة.

فمن كان يجد صعوبةً في التخصص، ويجد تعثراً في الدراسة، ولديه مشكـــــلات أخرى تمنعه من التركيز قد يُفاجأ بقرار طرده من الجامعية بسبب ذلك..

ومن اشتكى من ألم مستمر في جسده ولم يطلب العلاج فقد يكتشف أن الإلتهاب البسيط تحول إلى تسمم في الدم أو علة تستدعي تدخلاً جراحياً..

ومن وجد بوادر الانحراف في أبناءه واكتفى بالتفرج عن بعد قد يُفاجأ بمشكلات معقدة وربما تصل إلى السجن أو دفع غرامـات كبيرة..

وسواء كان القرار متعلقاً باختيار التخصص أو إكمال الدراسة، أو في قبول وظيفية ما أو تركها، أو اختيار شريك الحياة أو للبدء بعمل تجاري، أو غير ذلك فلابد من استشارة أهل الثقة والمعرفة، والتأمل في الخيارات المتاحة لاتخاذ القرار الأنسب، وعندما تتضح الصورة لديك وتطمئن نفسك لقرار ما فصل صلاة الإستخارة واطلب المعونة من الله، وأقدم على هذا القرار متوكلاً عليه.

وما أجمل الفائدة التي ذكرها الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى ((فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) ذكر فيه: “ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلاً، وأغزرهم علماً، وأفضلهم رأياً-: { وشاورهم في الأمر } فكيف بغيره؟! ثم قال تعالى: { فإذا عزمت } أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة { فتوكل على الله } أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكلين } عليه، اللاجئين إليه.”