الكثرة ليست محمودة دائماً

قرأت قصة جميلة المعنى حزينة الخاتمة ذكرها الأستاذ الراحل عبدالوهاب مطاوع في إحدى كتبه، وكانت لأسرة تقطن في بيت واسع وحياة طيبة ورغد من العيش، ورب الأسرة يكدح في مهنة التعليم والتدريس وإعطاء الدروس الخصوصية لأبناء القرية.

ففكر رب الأسرة في دخول مجال المقاولات طمهاً في الثراء والصعود إلى مصاف الأغنياء وهو لا يفقه في هذا المجال أي شيء، وقام بإستئجار مجموعة من السيارات الكبيرة التي لا يملك ثمنها بشيكات مؤجلة، ودخل مشاريع بناء لا يملك الخبرة فيها، ورهن جميع ما يملك، ثم بدأ العد التنازلي وظهرت المشكلات وارتفع صوت الدائنين للسداد حتى صار قاب قوسين وأدنى من السجن.

وانقلبت الحياة الرغيدة إلى خوف وقلق وملاحقة من قبل الدائنين وحجر على جميع الحسابات البنكية بسبب هذه المخاطرة.

فكان مما رد عليهم الأستاذ أنكم لو عملتم فيما تحسنون وتمتلكون القدرة على النجاح فيه لكان خيراً لكم وأنفع، فلو اشتغل المدرس في إعطاء المزيد من الدروس الخصوصية، أو انشاء معهد تعليمي في قريته، أو عمل مشروعاً صغيراً لتربية الماشية لكان خيراً لهم وأنفع من دخول مجالات لا يفقهون فيها، والقيام بمثل هذه المجازفات طمعاً في الثراء والقفز لمصاف الأغنياء.

وأمثال هذا الرجل بيننا كثيرة جداً للأسف، فهذا موظف صرف مكافأة التقاعد على فتح مطعم وخسر فيه كل ما يملك واضطر لبيعه مع جميع معداته بخسارة فادحة، وثاني افتتح محلاً تجارياً لا يفقه فيه شيئاً فتمت سرقته وصار مديوناً بسببها، وثالث ورابع و غيرهم كثير ممن دخل السجن ومطالباً بالسداد والملاحقة من قبل الدائنين.

وليس المقال هنا لذم المجازفة والعمل في التجارة وفتح المشاريع المختلفة، وإنما لذم المجازفة دون علم ولا سابق تجربة في هذه المجالات، والحرص والشره على الغنى والثراء السريع والذي يوقع صاحبه في المهالك.

فمن منا لا يريد المزيد من المال، السيارات، الكماليات؟ أغلبنا يريد ذلك والكثير منا يسعى للحصول على المزيد، فهل الطريق لذلك هو بالدخول فيما لا نُحسن من مشاريع وأعمال ونجازف بكل ما نملك؟؟

ولا يغرنك كلام البعض ممن يتكلم في وسائل التواصل والمحاضرات عن ريادة الأعمال والربح السريع ويدفعك لهذه المجالات دفعاً دونما تفكير ولا تعقل.

ولا مانع إن أراد الإنسان دخول مجال ما أن يتعلمه ويسأل أهل الاختصاص، ويدخل بمجازفة صغيرة ومحسوبة بحيث يستطيع التعافي منها بسهولة دون مجازفة لخسارة كل ما يملك.

وليست الكثرة في الأموال دائماً محمودة، بل قد يأتي معها انشغالات ومتاعب اخرى، وقد يكون عندك ما يكفيك ويفيض عن حاجتك وحاجة أسرتك وأنت لا تحسن التعامل معه والتصرف فيه، فلا يوجد حد لمطالب الانسان في هذه الدنيا.

والقناعة كنز إن كان لديك ما يكفيك، وليست الحياة كلها سعي للمال والرزق، فالمال وسيلة لتحسين حياتك وتوفير متطلباتك ومتطلبات أسرتك ومن الغبن أن تجعل المال هو الهدف وتُهمل بقية الجوانب في حياتك.

وهذه وجهة نظري وقد تختلف معي أو تتفق معها والعاقل من اتعظ بغيره قبل أن يكون في تجربته ومجازفته العبرة والعظة للآخرين..