رحلة في كتاب: كليلة ودمنة

الرِّجَالُ ثَلَاثَةٌ : حَازِم وَأَحْزَم مِنْه وَعَاجِز ، فَأَحَد الحازمين مَنْ إذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ لَمْ يدْهَش لَه، وَلَمْ يَذْهَبْ قَلْبِه شعاعاً، وَلَم تَعِي بِه حِيلَتِه ومكيدته الَّتِي يَرْجُو بِهَا الْمَخْرَجَ مِنْهُ، وَأَحْزَم مِنْ هَذَا الْمُتَقَدِّم ذُو الْعِدَّة الَّذِي يعْرَفُ الِابْتِلَاء قَبْلَ وُقُوعِهِ، فيُعظمه إعظاماً، وَيُحْتَالُ لَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ : فيحسم الدَّاءَ قَبْلَ أَنْ يُبتلى بِه، وَيَدْفَع الْأَمْرُ قَبْلَ وُقُوعِهِ. وَأَمَّا الْعَاجزُ فَهُوَ فِي تَرَدُّدِ وَتَمَنّ وتوان حَتّى يَهْلِكَ.”

كتاب قيم نافع ومليء بالحكم، كتبه بيدبا الفيلسوف الهندي لأحد ملوك الهند وبقي في خزائنهم مدة طويلة إلى أن استطاع استخراجه وترجمه للفارسية برزويه الطبيب بعد مُدة مديدة ومُخاطرة كبيرة، ومن ثم تَرجمه عبدالله ابن المُقفع للعربية في صدر الدولة العباسية وهو كتاب كليلة ودمنة.

ويهدف الكتاب إلى تهذيب النفس والإصلاح في النفس والأخلاق وأمور الحياة المختلفة عبر ضرب الأمثلة والحكم على ألسن الحيوانات وفيما جرى بينهم.

وَبَعْد فَاعْلَمْ أَنَّ الْفَأْس يَقْطَعُ بِهِ الشَّجَرُ، فَيَعُود يَنْبُت، وَالسَّيْف يَقْطَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعُودُ فيندمل، وَاللِّسَان لَا يَنْدَمِل جَرَّحَهُ وَلَا تؤسى مَقَاطِعِه.

لو كان الأمر بيدي لجعلته كتاباً مقرراً على الطلبة في المدارس من ضمن كتب الأدب والقصص، واعتنيت بإيصال ما فيه من العبر والفوائد.

وفي كل فصل هناك عبرة ومغزى أراد مؤلف الكتاب ايصالها على ألسن الحيوانات، كقصة الأسد والثور، وكليلة ودمنة، والحمامة المطوقة، والبوم والغربان، والناسك وابن عرس وغيرها كثير.

ومما جاء في خاتمة قصة كليلة ودمنة على سبيل المثال بعد سرد أحداثها وما جرى من دمنة تجاه الأسد والثور والافساد بينهم بالخديعة والمكر: “فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَنْ أَرَادَ مَنْفَعَة نَفْسِه بِضُرّ غَيْرِه بالخلابة وَالْمَكْر، فَإِنَّه سَيَجْزى عَلَى خِلابته وَمُكْرَه.”

وأنصح بإقتناء النسخة المشكلة التشكيل الكامل، كنسخة مكتبة لبنان، فهي نُسخة جيدة وتم الاعتناء بإخراجها وتشكيل الكتاب بشكل جميل جداً.

وأختم بمقولة وردت في الكتاب جاء فيها: “مَنْ لَمْ يَرْكَبْ الْأَهْوَال، لَمْ يَنَلْ الرَّغَائِب ، وَمَنْ تَرَكَ الْأَمْرِ الَّذِي لَعَلَّه يَبْلُغْ فِيهِ حَاجَتَهُ هيبةً ومخافةً لِمَا لَعَلَّهُ أَنْ يتوقاه، فَلَيْس بِبَالِغ جسيماً.”